ريهام الزيني تكتب: أطيب أوقاتي من الدهر عزلة أو خلوة !!

بوابة الفجر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ريهام الزيني تكتب: أطيب أوقاتي من الدهر عزلة أو خلوة !!, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 10:48 مساءً

في زمن الغربة الكبرى، حين تغتال العقيدة وتذبح الفطرة، في زمن يشهد تحولات جذرية عميقة، تصعد فيه أفكار مشوهة وتقنيات شيطانية ماكرة وتحالفات خفية لتشويه العقيدة التي تمنح حياتنا معنى وقيمة، لم يعد الإنحراف قاصرا على سرقة دين العبد، بل صار يستهدف سرقة إنسانيته، يوقعه في مستنقع من الإنحرافات الفكرية والسلوكية المغلوطة التي لا تمس أصول العقيدة وحدها، بل تضرب في جذور الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، تلك الفطرة التي قام عليها بناء الإنسان، وضمنت توازن المجتمعات، وحفظت استقرار الأوطان، وهذا الإنحراف أخطر ما يكون، لأنه مركب.

 

في زمن المسخ الأعظم، لم يعد هذا التشويه محصورا في الجوانب العقائدية فحسب، بل امتد ليطال المنظومة القيمية والفكرية والسلوكية برمتها، صرنا نرى تزاوجا شيطانيا بين النزعة الفاشية وأيديولوجيا تدعي الروحانية والإنسانية والوطنية، يرفعون راية "الإنسانية" ليسحقوا بها إنسانا، ويتحدثون باسم "الروحانية" ليبرروا بها انحلالا، ويهتفون للوطن وهم يبيعون قيمه في سوق المصالح، صاروا يستخدمون أقدس المعاني لتبرير أخس الغايات، يلبسون الباطل ثوب الحق، ويسوقون الناس إلى الهاوية وهم يصفقون، يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 

في زمن ضاعت فيه القيم وذبحت المبادئ على عتبة المصالح، انعدمت القدوة وطغت المادة، غلب الطمع واستشرى الجشع، زمن صار فيه الناس يعبدون الأغنى والأكثر قوة وشهرة، ولو كان لصا معدوم الأدب والأخلاق والضمير والإنسانية، زمن آفته عبادة المظاهر، واللهث المذل وراء مواكب الحكام والمسؤولين والمشاهير، وعندما تتغير نفوس البشر، تتغير الآمال والرؤى والأحلام، فتصير الأهداف رخيصة بقدر رخص النفوس المريضة، وعندما تتبدل القلوب، تتبدل الأشكال والصفات، وتتوه الأرواح والكينونات التي لا تدرك قيمة القلوب الصافية والأرواح الراقية، فتدخل في معارك تستنزفها، وتتواجد في أماكن لا تشبهها، وتمد جسورها مع من يؤرق سكينتها، تلك السكينة التي لا تهوى إلا التحليق بعيدا عن الزحام والضجيج، فلا تظفر بشعور الطمأنينة ولا الراحة ولا السكينة، لأنها خالفت قانون روحها: "الغريب لا يأنس إلا بالغريب، والنقي لا يسكن إلا في النقاء".

 

في زمن عولمة الفقر وهيمنة التفاهة على الثقافة، علت مكانة الرويبضة والنظرة الدونية القاصرة على المشهد العام، حولوا الدين والوطن والإنسانية إلى سلع رخيصة، حيث يحتفى بالتفاهة وتقصى الكفاءة، ويطفو الفساد الهيكلي المبرمج وتثار الفتن العظيمة الكبرى بشكل ممنهج، تحت سقف قوانين وتشريعات ودساتير دولية وعالمية رافعة شعارات دينية ووطنية وإنسانية مزيفة، يريدون منا أن نقول ما يحلو لهم لا ما نؤمن به، وأن نرى أنفسنا وفقا للصورة التي رسموها لنا، حتى لو كانت صورة دامسة معتمة مظلمة، يريدون منا أن نحابيهم كما يهوون ويتمنون، بعيدا عن صوت العقل، وصدى الإرادة، ونداء القلب، والعزف على بيانو الروح، تمهيدا لإنحطاط قيمي شامل يحسم المعركة لصالحهم، في ظل تغيرات دولية تعيد تشكيل العالم بوتيرة غير مسبوقة.

 

وأمام هذا المشهد.. أين يقف الغريب؟

يقف هنا، في المسافة الآمنة التي اختارها لنفسه.

 

وفي وسط ضجيج الحياة، ورغم كل الأحداث الصاخبة والوجوه المألوفة، أجد نفسي محاصرة وسط الزحام حتى الظلام، أرواح تائهة وغريبة، ونفوس مريضة وخبيثة، وعقول مغيبة ومسروقة، وكأن العزلة تختبئ داخل قلبي كطقس تطهير للنفس، والخلوة تختبئ في أعماق روحي كملجأ للتأمل والتفكر والفرار إلى الخالق، مما يمنح اليوم ثمرة وصفاء، ويتحول الإختباء إلى طاقة حب وقوة تعيد للنفس توازنها المفقود، فتصبح العزلة لقاء ذاتيا صادقا، وتغدو الخلوة لقاء إلهيا روحانيا مثمرا.

 

في وسط ضوضاء هذا العالم البائس، لا أحد يستطيع أن يسمع صراخ روحي في برية الزيف، ضجيج أرهق جسدي وأنهك قلبي وأتعب روحي وعقلي الذي لا يكف عن السؤال: لماذا لماذا؟، هل لأنني أجهل بشاعة هذه الحياة الدنيا؟، أم أنني فهمتها بشكل خاطئ؟، أم أنني فهمتها أكثر مما ينبغي لإنسان أن يفهم؟، ولكن إلى متى أتجاهل الأخطاء المتعمدة وأتجاوز عن السلبيات المتكررة؟، إلى متى أبقى هكذا؟، إلى متى أضحي براحتي وسعادتي وسلامي النفسي على مذبح عالم لا يشبع؟، إلى متى أضحي بنفسي التي لم أعد أعرفها، فقط لتنال رضا هذا العالم المريض؟، إلى متى أعيش وفي داخلي ألم وحرقة على حالي وحال الأمة والبشرية والإنسانية؟، إلى متى أصمت وبداخلي بركان هائج وحطام يصرخ في صمت؟، لقد تعبت من دفع فاتورة وعيي، وتعبت من كوني الغريبة التي ترى ما لا يريد الآخرون رؤيته.

 

وفي وسط زحام الحياة الدنيا وأوجاعها، ومهاترات وضجيج الحروب العالمية الراهنة، وفتن آخر الزمان المظلمة، التي أثمرت هذا الفساد العالمي الذي نشكو ونعاني منه جميعا، صار أعظم ما أرجوه من الله "ميثاق المسافة الآمنة"، أن أختفي عن صخبهم وأعتزل ضجيجهم، ولا أحد يتمكن من العثور علي إلا بإذني، لست بالقريبة الملامة، ولا بالبعيدة التي يطويها النسيان، أريد مكانا بعيدا يمنحني هدوء العزلة وفرصة الخلوة وهدنة صادقة مع الدنيا، وصمتا يكتم ضجيج الروح، ووسادة سلام تسند أحلامي المتعبة، ونغمة هادئة تغمرني بالسكينة، أريد سحابة عابرة تغسل ما أفسدته الأيام والسنين في داخلي، هدوء لا يشبه هدوء الوحدة المؤلمة، بل هدوء الخلوة الواعية والعزلة الطيبة التي تعيد ترتيب وصيانة الروح، أريد شيئا يسمعني بصمت ولا يجادلني، حتى لو بدا ذلك تمردا على الواقع في عيونهم، ولكنه في حقيقته رحلة بحث صادقة عن الذات، وتصالح ناضج مع النفس دون أن أغرق في بئر الوحدة، وهو جوهر الإنسانية المفقود الذي يعد مطلبا أساسيا لارتقاء الروح، حين تستقر القلوب وتطمئن الأنفس البشرية، لا لشيء، إلا تلبية لحاجتها الأساسية للسعادة الحقيقية: "أن تفهم دون أن تتكلم، وأن تحب دون أن تشرح".

 

كلما اشتدت المعركة في الخارج، علا نداء المحراب في الداخل: حيّ على العزلة. حيّ على الخلوة، فروحي لا تكف عن مناداتي بنداء البصيرة من حين لآخر، تدعوني إلى عزلة انفرادية استشفائية وخلوة ربانية طويلة الأمد، ليست عزلة هروب، بل محكمة عليا أعيد فيها حساباتي، ليست وحدة قاتلة، بل مجلس شورى أنصت فيه لصوت العقل والقلب والروح معا، هناك، في ذلك الركن الهادئ، أستعيد أنفاس الأمل التي سرقتها معارك الحياة، أرتب فوضى الداخل، وأشحذ سيفي بالحكمة، وأعود إلى الميدان أكثر هدوءا، وأشد بأسا، عزلتي ليست انسحابا من الحياة، بل هي استعداد لجولة جديدة في معركة الحياة الدنيا، بقلب أصفى وعقل أوعى، حتى أعود لكم أهدى، أحكم، أقوى، وبنسخة مني لا تهزم، تواجه دوشتهم بسكينة تخرسهم.

 

فلنرفع بإيمان ترنيمة شكر لله، ونحمد الله على كل حال في وسط هذا الحطام الذي لم ولن يمنعني يومًا من الوقوف مجددا، لا مع كل صدمة، ولا مع كل خذلان، ولا حتى مع لحظات فقدان الأمل واليقين، الله علمني دروسا لا تنسى، لم يعلمني كيف أبدأ من الصفر، بل علمني كيف أبدأ من حيث انتهيت، أبدأ وأنا محملة بالدروس، مثقلة بالحكمة، مزودة بالبصيرة، وأجمل هذه الدروس على الإطلاق، أن أكون ممتنة لنسختي القديمة، وأقدر رحلتي في التطوير بإيمان ويقين، تلك النسخة التي يظنها العالم ضعيفة، كانت في الحقيقة أقوى بصبرها، عظيمة بوعيها، صامدة بدموعها، هي التي حملتني على كتفيها، خطوة بخطوة، حتى أوصلتني إلى ما أنا عليه اليوم، هي التي صنعت مني هذه النسخة الجديدة، نسخة أعمق، وأقوى، وأكثر هدوءًا، وأشد بصيرة، فشكرا لها، وشكرا لله الذي لم يتركني في منتصف الطريق، وشكرا للحطام، فلولاه ما عرفت أنني قادرة على البناء من جديد، بكل حب.

 

وتبقى فكرة العزلة أو الخلوة هي الأجمل على الإطلاق، ففي عوالم الهدوء ثمة صفاء لا تبلغه الروح بين الزحام والصخب والضجيج، صفاء تسمع فيه همسة الله، وترى فيه وجه الحقيقة بلا رتوش، وهذا الهدوء لا يعني أبدا غياب العواصف، ولا إختفاء التحديات والصعوبات التي قد تعكر صفو الحياة، بل يعني يقينا واحدا: "أنني أستطيع الآن أن أتعامل معها دون أن أسمح لها أن تدمرني من الداخل، أواجهها بقلب ساكن، وعقل حاضر، وروح متصلة بالله، بفضل من الله، ومدد من الله، فالهدوء ليس غياب الحرب، الهدوء هو أن تخوض الحرب وأنت في سلام مع نفسك.

 

ولذلك أعود وأؤكد: أطيب أوقاتي من الدهر عزلة أو خلوة، ليست العزلة التي عرفتموها، عزلة اليائسين والمنكسرين، بل عزلة الأنبياء في الغار، وخلوة العارفين في الأسحار، وهدوء المحاربين قبل الجولة الأخيرة، وإن سألوكم عني فقولوا "ذهبت لتصنع من حطامها منارة، ومن عزلتها مملكة، ومن صمتها بيانا، لم تهرب من العالم، بل ذهبت لتفهمه أكثر، لترجع بقلب لا يكسر، وبصيرة لا تخدع، وروح لا تشترى بكنوز الدنيا".

 

فيا كل غريب يقرأني الآن، هذه ليست مقالتي، هذه وصيتي لك: لا تعتذر عن عزلتك. لا تبرر هدوءك. لا تشرح خلوتك، فالعالم الذي يحاكمك على سكينتك لا يستحق ضجيجك، والزمن الذي يتهم صمتك بالضعف، سيأتي يوما ليركع أمام حكمتك، فاختلي لتتجلى، واصمت لتتكلم روحك، وابتعد لتقترب من الله، ومن نفسك، ومن المعنى الحقيقي للوجود.

 

واعلموا: ليست كل عزلة أو خلوة قبرا، بعض العزل محاريب يولد فيها الأنبياء، وبعض الصمت كلام لا يسمعه إلا الله، وبعض الغياب حضور أعمق من كل الزحام، سيدنا موسى عليه السلام اعتزل أربعين ليلة، ثم عاد بنور يضيء العالمين، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اعتزل في الغار، ثم عاد برسالة غيرت وجه التاريخ، وأنا ربما أعتزل من حين لآخر لأعود بقلب لا يُكسر وروح لا تهزم، لأواجه الدنيا بسكينة من عرف أن المدد من السماء لا من البشر، فالعزلة ليست قبرا بل محراب، والخلوة ليست هروبا بل إعداد، والنجاة الحقيقية اليوم في أن تملك حق الإختفاء وحق الرجوع متى تشاء، أن تغيب عنهم بإرادتك، لا أن تغيب عنهم بقهرهم، أن تصمت حين يثرثرون، وتتكلم حين يجب أن تسمع، فطوبى للغرباء، فإنهم ورثة الأرض، وإن بدا أنهم بلا وطن، فوطنهم الأول والأخير: الله.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق