نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
د. نسرين حجاج تكتب: هفضل أحبك أنا.. رثاء في أربعين هاني شاكر, اليوم الخميس 11 يونيو 2026 01:58 مساءً
أربعون يومًا مرّت على رحيل الفنان الكبير هاني شاكر، وما زال الغياب عصيًا على التصديق، وما زال الحزن محتفظًا بثقله في القلوب. فقد غاب الجسد، لكن الصوت بقي، وبقي الأثر، وبقي ذلك الحضور الإنساني والفني الذي لا يُمحى بسهولة من الوجدان.
كما جاء يوم الوفاة، جاء يوم الأربعين، وما أسرعها من أيام. وكما خيّم الحزن على الساحة الفنية المصرية والعربية، وتأثرت الجماهير في كل مكان، فما زال هذا الحزن ظاهرًا على الصفحات، وساكنًا في الكلمات، ومقيمًا في القلوب. فهاني شاكر لم يكن مجرد مطرب كبير، بل كان قيمة فنية وإنسانية خاصة، تركت أثرًا عميقًا في نفوس محبيه.
ومنذ بدايته في السبعينيات، لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب ذائع الصيت، بل كان أحد أعمدة الغناء العربي، واسمًا رسّخ حضوره في وجدان أجيال كاملة، حتى استحق عن جدارة لقب أمير الغناء العربي. لقد أحب رسالة الفن ذاتها، وآمن بأن الأغنية ليست مجرد صوت ولحن، بل إحساس صادق، ووجدان باقٍ، وأثر يمتد أبعد من زمنه. ومن هنا جاء إرثه الفني العظيم شاهدًا عليه، وعلى قدرته النادرة في أن يرسخ حضوره في وجدان الناس
، وكأنه يهمس عبر أغنياته: "قد ما عمري يطول هفضل أحبك أنا". فقد صارت أعماله جزءًا من الذاكرة العاطفية العربية: "نسيانك صعب أكيد"، و"لسه بتسألي"، و"كده برضه يا قمر"، و"الحب ملوش كبير"، و"على الضحكاية"، و"أنا قلبي ليك"، و"غلطة"، و"ياريتني"، و"معقول نتقابل تاني"، و"الذكريات"، و"لو بتحب"، و"جرحي أنا"، و"سألتك". وحتى حين انفطر قلب الأب داخله، وخرج ألمه في "برواز صورتك" التي أهداها إلى ابنته الراحلة دينا، كشف ذلك العمل أن هاني شاكر كان فنانًا يملك قدرة نادرة على تحويل الألم الإنساني إلى إحساس فني صادق.
لقد صنعت أغاني هاني شاكر أثرًا خاصًا في السمع والوجدان؛ كانت تعبر عما بداخلنا، وتقول ما نعجز أحيانًا عن قوله. عذوبة صوت، ورقي كلمات، وجمال ألحان، وحضور إنساني لا يخطئه أحد. كان فنانًا كبيرًا، متواضعًا، يعشق جمهوره، ويعرف كيف يصل إليه دون افتعال، وكيف يبقى قريبًا منه دون أن يفقد هيبته.
ولن أنسى حفلاته، تلك الحفلات التي كانت تمنح جمهورها بهجة حقيقية، وتتركهم في حالة من السعادة والرقي والفخر، لأنهم أمام فنان حقيقي، لا فنان اسمًا فقط. كان متفاعلًا دومًا مع جمهوره، قريبًا منهم، حاضرًا معهم بصوته ووجدانه، ولذلك بقيت حفلاته تجربة مختلفة لدى كل من عرف قيمة الفن الجميل.
لقد تسممت الأغنية المصرية بظهور أغانٍ هابطة سُمّيت مهرجانات، واختلط فيها الضجيج بالفن، والانتشار بالقيمة، والسطحية بالإبداع. وفي وسط ذلك كله، ظل هاني شاكر علامة على الذوق، وشاهدًا على أن الفن يمكن أن يبقى نظيفًا ورفيعًا وصادقًا.
النفس أصبحت عليلة من بعدك يا هاني. نفتقدك كثيرًا، ونفتقد حضورك الهادئ، وصوتك القريب، وملامحك المطمئنة. أربعون يومًا فقط، ومع ذلك ترك رحيلك فراغًا كبيرًا، لأنك لم تكن فنانًا كبيرًا فحسب، بل كنت إنسانًا قريبًا من القلوب، حاضرًا فيها بصدقك ورقتك ووقارك.
غير أن عزاءنا الوحيد أن صوتك ما زال معنا، يشاركنا حزننا عليك، ويؤنس وحشتنا من بعدك. يا فقيد الفن المصري والعربي، ارقد بسلام، وجعلك الله آمنًا مطمئنًا في بيتك الجديد.
ومن الواجب أيضًا أن يُقال الشكر من القلب للسيدة الفاضلة نهلة توفيق، زوجته، التي كانت سندًا حقيقيًا له في مشوار حياته، وداعمة له في رحلة طويلة من النجاح والاستقرار.
فوجودها إلى جواره كان جزءًا من ذلك الاتزان الذي أحاط بحياته، وصان صورته، وحفظ لهذا الفنان الكبير مكانته التي تليق به
لقد عاش فنانًا محترمًا يقدّر جمهوره، وفارقنا بكل احترام، وستظل صورته في الوجدان صورة فنان عظيم شرّف الفن المصري، وشرّف كرسي النقيب بجلوسه عليه، فكان امتدادًا يليق بعظماء حفظوا للفن مكانته، وللموقع هيبته، وللاسم الكبير وقاره.
رحمك الله يا هاني، وغفر لك، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


















0 تعليق