نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أطباء خلف الشاشات.. شبكة خفية تتاجر بصحة المصريين, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 04:50 مساءً
ظهرت فئة جديدة من الدخلاء على مهنة الطب، اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي منصة لبناء شهرة زائفة، ومن "البالطو الأبيض" وسيلة لاكتساب ثقة المرضى.
وبين فيديوهات التغذية والعلاج السريع والوصفات السحرية، سقط آلاف المواطنين ضحايا لأشخاص لا يملكون أي مؤهل طبي يسمح لهم بالتعامل مع صحة الإنسان، في ظاهرة باتت تهدد الأمن الصحي للمجتمع وتثير تساؤلات واسعة حول آليات الرقابة والمساءلة.
وخلال السنوات الأخيرة، كشفت الأجهزة الرقابية والأمنية في مصر عشرات الوقائع التي تورط فيها أشخاص انتحلوا صفة أطباء أو متخصصين في مجالات علاجية مختلفة، مستغلين حاجة المرضى ورغبتهم في الشفاء، بينما تحولت بعض حساباتهم الإلكترونية إلى منصات تروج لمعلومات طبية مضللة قد تقود إلى مضاعفات خطيرة أو حتى الوفاة.

السوشيال ميديا.. بوابة الشهرة الزائفة
لم تعد العيادة الطبية هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المرضى، إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مجالًا مفتوحًا أمام كل من يرغب في تقديم نفسه خبيرًا أو متخصصًا.
ومع غياب التدقيق لدى بعض المتابعين، نجح عدد من منتحلي الصفة في بناء جماهير واسعة عبر فيديوهات ونصائح طبية جذابة، مستفيدين من خوارزميات المنصات التي تفضل المحتوى المثير للجدل أو الوعود السريعة بالشفاء.
ويحذر متخصصون من أن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على انتحال الصفة فقط، بل تمتد إلى نشر معلومات غير علمية قد تدفع المرضى إلى إيقاف علاجهم أو استبداله بوصفات غير معتمدة، ما يضاعف المخاطر الصحية ويؤخر فرص العلاج الصحيح.

"كوتش منة".. من الحقوق إلى عيادات التغذية العلاجية
أحدث الوقائع التي أثارت جدلًا واسعًا كانت قضية المعروفة إعلاميًا باسم "كوتش منة"، التي أدارت مركزًا للتغذية العلاجية بمحافظة الجيزة رغم عدم حصولها على مؤهل طبي.
وبحسب التحقيقات، فإن صاحبة المركز خريجة كلية الحقوق، وحصلت لاحقًا على دراسة أكاديمية في مجال التغذية، قبل أن تدير عدة مراكز تقدم استشارات غذائية وعلاجية في مناطق مختلفة بالقاهرة الكبرى، معتمدة على شهرتها الواسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الواقعة أثارت جدلًا كبيرًا بعدما نشرت محتوى طبيًا تضمن مزاعم علاج حالات مرضية معقدة دون تدخل جراحي، الأمر الذي دفع نقابة الأطباء إلى انتقاد تلك المعلومات واعتبارها غير مستندة إلى أسس علمية معتمدة. وفي أعقاب ذلك، أغلقت وزارة الصحة المركز بعد ضبطه يعمل دون ترخيص.
جراح قلب مزيف.. رحلة تزوير استمرت سنوات
وفي واقعة أخرى كشفتها الأجهزة الأمنية، تم القبض على شخص قدم نفسه لسنوات باعتباره أستاذًا لجراحة القلب ورئيس قسم بإحدى الجامعات المصرية.
وكشفت التحريات أن المتهم لا يحمل المؤهلات التي ادعى امتلاكها، وأنه استخدم مستندات مزورة وبيانات غير صحيحة في أوراق رسمية ليتمكن من ترسيخ صورته كطبيب متخصص. واستمرت عملية التزوير لسنوات قبل اكتشافها واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
وتبرز هذه القضية حجم الثغرات التي يستغلها بعض منتحلي الصفة، وقدرتهم على بناء هويات مهنية مزيفة لفترات طويلة قبل سقوطهم أمام الجهات المختصة.
ضحايا حقيقيون خلف الأرقام
بعيدًا عن عناوين الأخبار، تبقى الخسائر البشرية هي الوجه الأكثر قسوة لهذه الظاهرة. ففي الإسكندرية، كشفت إحدى القضايا عن شخص مارس الطب باستخدام شهادات مزورة، قبل أن تتسبب وصفاته الخاطئة في تدهور الحالة الصحية لطفلة ووفاتها.
أما في محافظة الغربية، فأدير مركز علاجي داخل منزل أحد الأشخاص الذي لم يتجاوز تعليمه المرحلة الابتدائية، حيث قدم علاجات ووصفات غير معتمدة لعدد من المرضى، وانتهى الأمر بتعرض بعضهم لمضاعفات وعاهات صحية دائمة.
وتؤكد هذه الوقائع أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتحال الصفة، بل في النتائج المأساوية التي قد تترتب على تدخل غير المؤهلين في حياة المرضى.
لماذا تنتشر الظاهرة؟
يرى خبراء أن انتشار هذه الوقائع يعود إلى عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها سهولة الوصول إلى الجمهور عبر الإنترنت، وضعف الثقافة الصحية لدى بعض المواطنين، بالإضافة إلى اعتماد البعض على الشهرة الإلكترونية باعتبارها دليلًا على المصداقية.
كما أن اللافتات الإعلانية والمراكز غير المرخصة، إلى جانب الإعلانات الممولة على منصات التواصل، تمنح هؤلاء المحتالين مظهرًا احترافيًا يساعدهم على استقطاب ضحايا جدد.
ويؤكد متخصصون أن كثيرًا من المواطنين لا يتحققون من قيد الطبيب في النقابة أو من ترخيص المنشأة الطبية قبل تلقي الخدمة، ما يسهم في استمرار الظاهرة.
بين القانون والرقابة
تواجه الجهات المعنية هذه الممارسات عبر حملات تفتيش وضبط مستمرة، فيما تؤكد نقابة الأطباء أن دورها يقتصر على متابعة المخالفات المهنية والإبلاغ عنها، بينما تتولى الجهات الرقابية والأمنية إجراءات التفتيش والملاحقة القانونية.
ويشير قانونيون إلى أن العقوبات تختلف بحسب طبيعة المخالفة، إذ قد تبدأ من انتحال الصفة ومزاولة مهنة دون ترخيص، وتصل إلى جرائم التزوير أو التسبب في إصابات وعاهات أو وفيات إذا ترتب على الممارسات الطبية الخاطئة أضرار جسيمة للمرضى.
كيف يحمي المواطن نفسه؟
يشدد الأطباء على ضرورة التأكد من قيد أي طبيب بنقابة الأطباء قبل تلقي الخدمة الطبية، والتحقق من تراخيص العيادات والمراكز العلاجية، وعدم الاعتماد على النصائح المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها بديلًا عن الكشف الطبي المتخصص.
كما ينصح الخبراء بعدم الانسياق وراء الوعود التي تتحدث عن الشفاء السريع أو العلاجات المعجزة، لأن الطب علم قائم على التشخيص الدقيق والأدلة العلمية وليس على التجارب الفردية أو المحتوى الرائج عبر الإنترنت.
تكشف ظاهرة "أطباء السوشيال ميديا" عن تحدٍ متصاعد يواجه القطاع الصحي والمجتمع معًا، فبين الشهرة الرقمية والادعاءات الطبية غير الموثقة، أصبح بعض المحتالين قادرين على الوصول إلى آلاف المرضى بضغطة زر.
وبينما تواصل الجهات المختصة حملاتها لملاحقة الدخلاء، يبقى وعي المواطن هو خط الدفاع الأول لحماية صحته من الوقوع في فخ "الأطباء المزيفين" الذين حولوا آلام المرضى إلى تجارة تدر أرباحًا على حساب الأرواح.
ومن جانبه، قال الدكتور محمد عبداللطيف، عضو نقابة الأطباء، أن تزايد ظاهرة منتحلي صفة الأطباء ومقدمي المحتوى الطبي غير المؤهلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي يمثل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين، خاصة مع اعتماد بعض المرضى على النصائح المنتشرة عبر الإنترنت دون الرجوع إلى متخصصين معتمدين.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن مهنة الطب تخضع لضوابط قانونية وعلمية صارمة، وأن تشخيص الأمراض ووصف العلاج لا يمكن أن يتم عبر مقاطع فيديو أو استشارات عامة على منصات التواصل، مشيرًا إلى أن بعض منتحلي الصفة يستغلون شهرتهم الإلكترونية وثقة المتابعين لتحقيق مكاسب مادية على حساب سلامة المرضى.
ولفت إلى أن نقابة الأطباء تتابع بشكل مستمر البلاغات المتعلقة بانتحال الصفة أو ممارسة الطب دون ترخيص، وتتعاون مع الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدًا أن النقابة لا تملك سلطات الضبط والتفتيش، لكنها تقوم بدورها في رصد المخالفات والإبلاغ عنها لحماية المواطنين والمهنة.


















0 تعليق